القلمُ سفيرُ العقل، ورسولُ القلب، وترجمانُ ما تضمره النفوس. به قُيِّدت العلوم فلم تشرد، وحُفظت الأخبار فلم تَبِد، ولولاه لكان الماضي صمتًا، والحاضرُ غريبًا لا يعرف أباه.
وقد عرفت العربُ قدرَه، فجعلته قرينَ السيف في مواطن الفخر، ورأت فيه أداةً يحيا بها المرء بعد موته، ويخاطب بها من لم يلقَه، ويُسمَع بها صوتُه في غير زمانه. وحسبُك أن أبا الطيب حين عدّد ما يعرفه ويعرفه، ختم بالقرطاس والقلم:
الخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالبَيْداءُ تَعْرِفُني ... وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالقِرْطاسُ وَالقَلَمُ
لماذا نكتب؟
نكتب لأن الكلام المنطوق يمضي مع الريح، والمكتوبَ يبقى ما بقي الورق. ونكتب لنعرف ما نفكّر فيه؛ فكم من فكرةٍ ظنّها صاحبها واضحة، فلما همّ بتدوينها تفلّتت منه، واحتاج أن يقلّبها ويراجعها حتى تستقيم على السطر.
وليس القلمُ في ذاته شيئًا؛ إنما هو قصبةٌ مبريّة، أو ريشةٌ مغموسة، أو مفاتيحُ تحت الأصابع في زماننا هذا. لكنّ قيمته فيما يجري به من مِداد (الحبر الذي يُكتب به)، وفي الأمانة التي يحملها كاتبه.
أدب الكاتب
- أن يصدق فيما يكتب، فالكلمةُ شاهدٌ لا يموت.
- أن يوجز حيث يُغني الإيجاز، ويبسط حيث يلزم البسط.
- أن يحترم قارئه، فلا يُثقل عليه بالحشو، ولا يستخفّ بعقله.
- أن يراجع ما كتب مرةً بعد مرة، فأولُ الكتابة مسوّدةٌ لا كتاب.
فإذا أمسكتَ القلم فاعلم أنك تمسك أمانة، وأن ما تخطّه اليوم قد يقرؤه غدًا من لا تعرف، في أرضٍ لا تبلغها؛ فاكتب ما يسرّك أن تُسأل عنه.


