هذه أبياتٌ من مطلع ميميّة أبي الطيب المتنبي في مدح سيف الدولة الحمداني، قالها بعد أن أعاد بناء قلعة الحَدَث وردّ عنها جيوش الروم. وقد سارت أبياتها الأولى مسير الأمثال، حتى صار الناس يتمثّلون بها في كل عزمٍ وهمّة، وأكثرهم لا يعرف مناسبتها.
عَلى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَأْتي العَزائِمُ ... وَتَأْتي عَلى قَدْرِ الكِرامِ المَكارِمُ
وَتَعْظُمُ في عَيْنِ الصَّغيرِ صِغارُها ... وَتَصْغُرُ في عَيْنِ العَظيمِ العَظائِمُ
يُكَلِّفُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ الجَيْشَ هَمَّهُ ... وَقَدْ عَجَزَتْ عَنْهُ الجُيوشُ الخَضارِمُ
وَيَطْلُبُ عِنْدَ النّاسِ ما عِنْدَ نَفْسِهِ ... وَذَلِكَ ما لا تَدَّعيهِ الضَّراغِمُ
وقفة مع المعنى
يجعل المتنبي العزائمَ على مقادير أصحابها؛ فكما يكون الرجل تكون همّته، وكما تكون همّته يكون ما يبلغه. ثم يقلب المعنى في البيت الثاني قلبًا بديعًا: فالصغير يستعظم الصغائر لأنها تملأ عينه، والعظيم يستصغر العظائم لأنها دون ما اعتاده.
بين الشاعر والممدوح
ولا يخفى أن المتنبي، وهو يمدح سيف الدولة، كان يمدح في الوقت نفسه صورةً يحبّها لنفسه: صورةَ الرجل الذي يكلّف نفسه ما تعجز عنه الجيوش، ولا يطلب من الناس إلا ما يطلبه من نفسه. ولعل هذا سرُّ خلود القصيدة؛ فهي مديحٌ في ظاهرها، واعترافٌ في باطنها.
ومن لطائف البيت الرابع أنه يرفع الممدوح فوق الأسود: فالأسد على شدّته لا يدّعي أن في الناس ما في نفسه من الإقدام، وسيف الدولة يطلب ذلك منهم كأنه أمرٌ هيّن.



