لم يكن الوقوف على الأطلال عند شعراء الجاهلية تقليدًا فارغًا كما يظن بعض المتعجّلين؛ بل كان مدخلًا إلى القصيدة كما يكون الباب مدخلًا إلى الدار. يقف الشاعر على آثار ديارٍ رحل أهلها، فيستدعي الذكرى، ويستوقف صاحبيه، ثم ينطلق منها إلى ما يريد.
قِفا نَبْكِ مِنْ ذِكْرى حَبيبٍ وَمَنْزِلِ ... بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدَّخولِ فَحَوْمَلِ
فَتوضِحَ فَالمِقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُها ... لِما نَسَجَتْها مِنْ جَنوبٍ وَشَمْأَلِ
ومطلعُ امرئ القيس هذا من أشهر مطالع الشعر العربي على الإطلاق؛ حتى قال فيه النقاد القدماء إنه وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر الحبيبَ والمنزلَ في مصراعٍ واحد.
ليل امرئ القيس
وفي المعلقة نفسها يصف الشاعر ليله وصفًا صار من عيون الوصف في العربية: ليلٌ ثقيلٌ متطاول، يُرخي سدوله (ستوره، واحدها سَدْل) كموج البحر، ويجثم على صدر الشاعر بكَلْكَله.
وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخى سُدولَهُ ... عَلَيَّ بِأَنْواعِ الهُمومِ لِيَبْتَلي
فَقُلْتُ لَهُ لَمّا تَمَطّى بِصُلْبِهِ ... وَأَرْدَفَ أَعْجازًا وَناءَ بِكَلْكَلِ
أَلا أَيُّها اللَّيْلُ الطَّويلُ أَلا انْجَلي ... بِصُبْحٍ وَما الإِصْباحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ
يطلب الشاعر من الليل أن ينجلي، ثم يستدرك: وما الصبحُ بأفضل منه! فالهمّ الذي في الصدر لا يزول بزوال الظلام. وهذه لفتةٌ نفسية عميقة سبق بها امرؤ القيس كثيرًا ممن جاء بعده.


