للعزلة وجهان: وجهٌ موحش يفرّ منه الناس، ووجهٌ أنيس لا يعرفه إلا من جرّبه. وبين الوجهين مسافةُ ما تحمله في داخلك حين تغلق الباب على نفسك.
العزلة ليست فرارًا
يظن بعض الناس أن المعتزل هاربٌ من الدنيا، والحق أن كثيرًا منهم إنما اعتزل ليرى الدنيا بوضوح. فالزحام يُعمي، والضجيج يُصمّ، ومن أراد أن يسمع صوته الداخلي احتاج إلى شيءٍ من الصمت.
وليست كل عزلةٍ سواء: فعزلةٌ يفرّ فيها المرء من واجبه ضعف، وعزلةٌ يستجمع فيها قوته ليعود إلى واجبه أقدر عليه حكمة.
الكتاب جليس
وأنيسُ العزلة الأول هو الكتاب. وقد قال المتنبي بيتًا صار شعارًا لكل محبٍّ للقراءة:
أَعَزُّ مَكانٍ في الدُّنى سَرْجُ سابِحٍ ... وَخَيْرُ جَليسٍ في الزَّمانِ كِتابُ
فالكتاب جليسٌ لا يملّك إذا أطلت، ولا يعاتبك إذا غبت، ولا يفشي سرّك إذا أفضيت إليه. تأخذ منه ما شئت، وتدعه متى شئت، ثم تعود إليه فتجده على العهد.
مقام الحبر
مقام الحبر
في الليل، حين يهدأ كلُّ شيء،
يصحو الحبرُ،
ويمشي على الورق حافيًا
كأنه يخشى أن يوقظ الكلماتِ النائمة.
أكتبُ لأعرف ما أعرف،
وأمحو لأعرف ما لا أعرف.
ثمرة الخلوة
وخيرُ ما في العزلة ما يخرج منها: فكرةٌ نضجت، أو كلمةٌ استقامت، أو نفسٌ هدأت بعد اضطراب. فإن خرجت من عزلتك بشيءٍ من ذلك فقد ربحت، وإن خرجت بلا شيء فقد تعلّمت على الأقل أن تجالس نفسك دون أن تملّها.
من لم يأنس بنفسه، لم يأنس بغيره.

